النويري
234
نهاية الأرب في فنون الأدب
وكانت هذه القلعة المذكورة للثغور الإسلامية بمنزلة الشجى في الحلق « 1 » ، والغلة في الصدر ، والخسوف الطارئ على طلعة البدر . لا تخلو من غل تضمره ، في لين تظهره ، وغدر تستره ، في عذر تورده وتصدره . وقد سكن أهلها إلى مخادعة الجار ، وموادعة التتار ، وممالاتهم على الإسلام بالنفس والمال ، ومساواتهم لهم حتى في الزي والحال . يمدونهم بالهدايا والألطاف ، ويدلونهم على عورات الأطراف . وهم يتقون بمسالمة الأيام ، ويدعون أن قلعتهم لم تزل من الحوادث في زمام ، ويغترون بها . ولولا السطوات الشريفة ، لحق بمثلها أن يغتر . ويسكنون إلى حصانتها كلما أو مض في حلك « 2 » السحب برق ثغرها المفتر . وهو حصن صاعد منحدر ، بارزه مستدير ، لا يطأ إليه السالك إلا على المحاجر ، ولا تنظره العيون حتى تبلغ « 3 » القلوب الحناجر ، كأنه في ضمائر الجبال حب يقتل وهو كامن ، ويجرف الظاهر وهو باطن . قد أرخت عليه الجبال الشواهق ذوائبها ، ومدت عليه الغمائم أطنابها ومضاربها . وقد تنافست فيه الرواسي الرواسخ فأخفاه بعضها عن بعض وتقاسمته العناصر فهو للنكاية والرفعة والثبات ومجاورة الفرات مشترك بين النار والهواء والماء والأرض . وقد امتدت الفرات من شرقيها كالسيف في كف طالب ثأر ، واكتنفها من جهة الغرب نهر آخر استدار نحوها كالسور وانعطف معها كالسوار . وفى قنة « 4 » قلتها جبل يرد الطرف وهو كليل ،
--> « 1 » في ابن الفرات . ج 8 ، ص 39 . العبارة هكذا : بمنزلة الشجى في الحلق والتشوه في الحلق والعلة . ( المصحح ) . « 2 » في الأصل حلل ، وما هنا من ابن الفرات ج 8 ، ص 139 . « 3 » في الأصل تبلغه ، وما هنا من ابن الفرات ج 8 ، ص 139 . « 4 » في ابن الفرات ج 8 ، ص 139 قبة .